أصدر مركز التقدم للسياسات (Progress Center for Policies) في لندن تقديرًا للموقف حلل فيه أبعاد وخلفيات التحول الاستراتيجي والنوعي في الخطاب الدبلوماسي والعسكري المصري تجاه أمن منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر، وذلك على خلفية تصريحات وزير الخارجية بدر عبدالعاطي.
أوضح المركز أن إعلان مصر عن استعدادها لتقديم دعم عسكري للمملكة العربية السعودية "دون أي تحفظ"، ودراستها الجادة للانضمام إلى "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، يمثل أعلى درجات الوضوح السياسي المصري منذ بدء الصراع اليمني. وجاء هذا الموقف عقب هجوم حوثي استهدف مطار الملك خالد الدولي في الرياض وأسفر عن سقوط ضحايا ومصابين.
الدوافع الرئيسة وراء الموقف المصري الجديد
حدد التقرير ثلاثة مستويات متشابكة دفعت مصر لاتخاذ هذا الموقف الحاسم:
الدافع الاقتصادي المباشر
كشفت الحكومة المصرية أن خسائر صافي إيرادات قناة السويس تجاوزت حاجز الـ 20 مليار دولار بسبب اضطراب حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مما تسبب في نزيف اقتصادي مستمر وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وتأثر الأمن الغذائي المصري.
حسابات الأمن الإقليمي
تنظر مصر إلى استقرار السعودية كركيزة أساسية للأمن القومي العربي، وتعي تماماً أن أي خلل في ميزان الأمن في الخليج والبحر الأحمر ينعكس مباشرة على أمنها الداخلي.
إعادة التموضع الاستراتيجي
يمثل التفكير في الانضمام لـ "تحالف مكة" رغبة مصرية في الاندماج ضمن منظومة ردع إقليمية ناشئة وبناء قدرات دفاعية ذاتية مستقلة، في ظل تراجع الثقة بالبنية الأمنية التقليدية التي كانت ترعاها الولايات المتحدة.
الفجوة بين الخطاب السياسي والتطبيق العملي
على الرغم من قوة التصريحات، أشار مركز التقدم إلى وجود فصل واضح ومتعمد بين الاستعداد السياسي والالتزام الميداني:
طبيعة الدعم العسكري المتوقعة
يرجح التقرير أن يقتصر الدعم المصري على الجوانب الدفاعية فقط، مثل تعزيز الوجود البحري لحماية الملاحة، والمساهمة في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة، وتقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي الفني.
استبعاد التدخل البري
استبعد التحليل إرسال قوات برية هجومية كبيرة أو تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي اليمنية، وهو النهج الذي تحافظ عليه القاهرة بصرامة منذ عام 2015.
القيود والمحاذير القانونية والاستراتيجية
لفت المركز الانتباه إلى عدة كوابح جغرافية وقانونية تدرسها الدولة المصرية:
معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية (1979)
تنص المادة السادسة من المعاهدة على تقييد قدرة مصر على إبرام اتفاقيات أمنية قد تتعارض معها. ونظرًا لأن تحالف مكة يتضمن أهدافًا (من المنظور التركي) لمواجهة إسرائيل، فإن الانضمام الفعلي قد يثير تعقيدات قانونية ودبلوماسية.
تعدد الجبهات والتحديات
تنشغل مصر حاليًا بملفات استراتيجية ضاغطة ومصيرية، أبرزها ملف سد النهضة الإثيوبي، والأوضاع المتدهورة في السودان وليبيا، إلى جانب الضغوط الاقتصادية الداخلية.
تجنب الاستهداف المباشر
تتخوف مصر من أن يؤدي أي انخراط عسكري علني ومباشر إلى جعل مصالحها الحيوية وموانئها في البحر الأحمر هدفًا مباشرًا لضربات جماعة الحوثي.
قراءة في توقيت الإعلان
خلص التقرير إلى أن توقيت صدور هذه التصريحات يحمل دلالات استباقية واضحة؛ حيث جاء متزامنًا مع التفعيل العملي لآليات تحالف مكة، وأعقب زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان للقاهرة التي جرى فيها التأكيد على ترابط الأمن المشترك.
كما يتواكب التوقيت مع تصاعد الضغوط الدولية على الحوثيين، وتلميحات أمريكية بشن ضربات، وإعلان باريس ولندن إرسال تعزيزات عسكرية للدفاع عن الرياض.
يرى مركز التقدم للسياسات أن التصريحات المصرية تمثل "رسالة ردع سياسية بالدرجة الأولى ودفاعية في حدودها العملية". ويهدف هذا الموقف إلى طمأنة الحلفاء في الخليج والتحوط ضد أي انهيار في المنظومة الأمنية الدولية، مع الحفاظ على خطوط حمراء واضحة تحمي مصر من الانجرار إلى أتون حروب إقليمية مفتوحة أو استنزاف مواردها العسكرية.
https://www.arabprogress.org/en/amp/from-solidarity-to-readiness-egypt-the-mecca-alliance-and-the-limits-of-involvement-in-the-yemeni-conflict/

